المقريزي
79
إمتاع الأسماع
القرآن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم إلا سورة أو سورتين فأمره رضي الله تبارك وتعالى عنهم فصلى بهم . وأما مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه وما يليه من جهة المشرق دار بني غنم بن مالك بن النجار ويقال : كان جدارا محددا بلا سقف بناه أسعد وكان يصلي فيه . وجمع الجمعة بأصحابه . وقيل : إن مصعب بن عمير كان يصلي فيه . خرج البخاري ( 1 ) ومسلم ( 2 ) وأبو داود ( 3 ) من حديث عبد الوارث عن أبي التياح عن أنس بن مالك رضي الله تبارك وتعالى عنه . قال : قدم رسول
--> ( 1 ) ( فتح الباري ) : 1 / 689 - 690 كتاب الصلاة باب ( 48 ) هل تنبش قبور مشركي الجاهلية ويتخذ مكانها ؟ حديث رقم ( 428 ) قوله باب هل تنبش قبور الجاهلية أي دون غيرهما من قبور الأنبياء وأتباعهم لما في ذلك من الإهانة لهم بخلاف المشركين فإنهم لا حرمة لهم . وأما قوله : " لقول النبي صلى الله عليه وسلم الخ فوجه التعليل أن الوعيد على ذلك يتناول من اتخذ قبورهم مساجد تعظيما ومغالاة كما صنع أهل الجاهلية وجرهم ذلك إلى عبادتهم ويتناول من اتخذ أمكنة قبورهم مساجد بأن تنبش وترمى عظامهم فهذا يختص الأنبياء ويلتحق بهم أتباعهم وأما الكفرة فإنه لا حرج في نبش قبورهم إذ لا حرج في اهانتهم . ولا يلزم من اتخاذ المساجد في أمكنتها تعظيم فعرف بذلك أن لا تعارض بين فعله صلى الله عليه وسلم في نبش قبور المشركين واتخاذ مسجده مكانها وبين لعنه صلى الله عليه وسلم من اتخذ قبور الأنبياء مساجد لما تبين من الفرق ( المرجع السابق ) : 4 / 100 كتاب فضائل المدينة باب ( 9 ) حرم المدينة رقم ( 1868 ) ( المرجع السابق ) : 5 / 500 كتاب الوصايا باب ( 27 ) إذ وقف جماعة أرضا مشاعا فهو جائز حديث رقم ( 2771 ) قوله باب إذا وقف جماعة أرضا مشاعا فهو جائز قال ابن المنير : احتز عما إذا وقف الواحد المشاع فإن مالكا لا يجيزه لئلا يدخل الضرر على الشريك وفي هذا نظر لأن الذي يظهر أن البخاري أراد الرد على من ينكر وقف المشاع مطلقا وقد تقدم قبل أبواب أنه ترجم ( إذا تصدق أو وقف بعض ماله فهو جائز ) وهو وقف الواحد المشاع وقد تقدم البحث فيه هناك . وأورده المصنف في الباب حديث أنس في قصة بناء المسجد وقد تقدم بهذا الإسناد مطولا في أبواب المساجد من أوائل كتاب الصلاة والغرض منه هنا ما اقتصر عليه من قولهم لا نطلب ثمنه إلا إلى الله عز وجل فإن ظاهره أنهم تصدقوا بالأرض لله عز وجل فقبل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ففيه دليل لما ترجم له وأما ما ذكره الواقدي أن أبا بكر دفع ثمن الأرض لمالكها منهم وقدره عشرة دنانير فإن ثبت ذلك كانت الحجة للترجمة من جهة تقرير النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك ولم ينكر قولهم ذلك فلو كان وقف المشاع لا يجوز لأنكر عليهم وبين لهم الحكم واستدل بهذه القصة على أن الحكم المسجد يثبت للبناء إذا وقع بصورة المسجد ولو لم يصرح الباني بذلك ومن بعض المالكية إن أذن فيه ثبت له حكم المسجد ومن الحنفية إن أذن للجماعة بالصلاة فيه ثبت والمسألة مشهورة ولا يثبت عند الجمهور إلا أن صرح الباني بالوقفية أو ذكر صيغة محتملة ونوى معها . وجزم بعض الشافعية بمثل ما نقل عن الحنفية لكن في الموات خاصة والحق أنه ليس في حديث الباب ما يدل لإثبات ذلك ولا نفيه والله أعلم . قوله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله أي لا نطلب ثمنه من أحد لكن هو مصروف إلى الله فالاستثناء على هذا التقدير منقطع أو التقدير لا نطلب ثمنه إلا مصروفا إلى الله فهو متصل ( المرجع السابق ) : 7 / 337 - 338 كتاب مناقب الأنصار باب ( 46 ) مقدم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه المدينة حديث رقم ( 3932 ) قوله : ( بحائطكم ) أي بستانكم وقد تقدم في الباب قبله أنه كان مربدا فعله كان أولا حائطا ثم خرب فصار مربدا ويؤيده قوله إنه كان فيه نخل وخرب وقيل : كان بعضه بستانا وبعضه مربدا وقد تقدم في الباب الذي قبل تسمية صاحبي المكان المذكور ووقع عند موسى بن عقبة عن الزهري أنه اشتراه منهما بعشرة دنانير وزاد الواقدي أن أبا بكر دفعها لهما عنه قوله خرب بكسر المعجمة وفتح الراء والموحدة وتقدم توجيه آخر في أوائل الصلاة بفتح أوله وكسر ثانيه قال الخطابي : أكثر الرواة بالفتح ثم الكسر حدثناه الخيام بالكسر ثم الفتح ثم حكى احتمالات : منها الخرب بضم أوله وسكون ثانيه قال : هي الخروق المستديرة في الأرض والجرف بكسر الجيم وفتح الراء بعدها فاء ما تجرفه السيول تأكله من الأرض والحدب بالمهملة وبالدال المهملة أيضا المرتفع من الأرض قال وهذا لائق بقوله : " فسويت " لأنه إنما يسوي المكان المحدوب وكذا الذي جرفته السيول وأما الخراب فيبنى ويعمر دون أن يصلح ويسوى . قلت : وما المانع من تسويه الخراب بأنه ما يزال ما بقي منه ويسوي أرضه ولا ينبغي إلا لنفاث إلى هذه الاحتمالات مع توجيه الرواية الصحيحة . قوله فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبور المشركين فنبشت قال ابن بطال : لم أجد في نبش قبور المشركين لتتخذ مسجدا نصا عن أحد من العلماء نعم اختلفوا هل تنبش بطلب المال ؟ فأجازه الجمهور ومنعه الأوزاعي وهذا الحديث حجة للجواز لأن المشرك لا حرمة له حيا ولا ميتا وقد تقدم في المساجد البحث فيما يتعلق بها . قوله : وبالنخل فقطع هو محمول على أنه لم يكن يثمر لكن دعت الحاجة إليه لذلك قوله فصفوا النخل أي موضع النخل وقوله عضادتيه بكسر المهملة وتخفيف المعجمة تثنية عضادة وهي الخشبة التي على كتف الباب ولكل باب عضادتان وأعضاء كل شئ ما يشد حوانيه . قوله يرتجزون أي يقولون رجزا وهو ضرب من الشعر على الصحيح . وقوله فانصر الأنصار والمهاجرة كذا رواه أبو داود بهذا اللفظ وسبق ما فيه في أبواب المساجد واحتج من أجاز بيع المالك بهذه القصة لأن المساومة وقعت مع غير الغلامين وأجيب باحتمال أنهما كان من بني النجار فساومهما وأشرك معهما في المساومة عمها الذي كانا في حجرة كما تقدم في الحديث الثاني عشر ( فتح الباري ) . ( 2 ) مسلم بشرح النووي : 5 / 10 كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب ( 1 ) اقتناء مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ، حديث رقم ( 524 ) وفي هذا الحديث جواز الارتجاز وقول الأشعار في حال الأعمال الثقال ونحوها لتثبيت النفوس وتسهيل الأعمال والمشي عليهما ( شرح النووي ) . ( 3 ) ( سنن أبي داود ) : 1 / 302 كتاب الصلاة باب ( 12 ) في بناء المسجد حديث رقم ( 453 ) وقال الخطابي في ( معالم السنن ) فيه من الفقه أن المقابر إذا نبشت ونقل ترابها ولم يبق هناك نجاسة تخالط أرضها فإن الصلاة فيها جائزة وإنما نهى صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في المقبرة إذا كان قد خالط ترابها صديد الموتى ودمائهم فإذا نقلت عنها زال ذلك الاسم وعاد حكم الأرض إلى الطهارة . وفيه من العلم أنه أباح نبش قبول الكفار عند الحاجة إليه وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه أمر أصحابه بنبش قبر أبي رغال في طريقه إلى الطائف وذكر لهم أنه دفن معه غصن من ذهب فابتدروه فأخرجوه وفي أمره بنبش قبور المشركين بعد ما جعل أربابها تلك البقعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم دليل على أن الأرض التي يدفن فيها الميت باقية على ملك أوليائه وكذلك ثيابه التي يكفن فيها وأن النباش سارق من حرز في ملك ولو كأن موضع القبر وكفن الميت مبقى على ملك الميت حتى ينقطع ملك الحي عنه من جميع الوجوه لم يكن يجوز بنبشها واستباحتها بغير إذن مالكها . وفيه دليل على أن من لا حرمة لدمه في حياته فلا حرمة لعظامه بعد مماتة وقد قال صلى الله عليه وسلم : كسر عظام المسلم ميتا ككسره حيا فكان دلالته أن عظام الكفار بخلافه ( خطابي ) .